التحكم و السيطرة على العقول عبر شبكات التواصل الاجتماعي

أغسطس 12, 2019

مع الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي وسهولة استخدامها والوصول إليها بدأنا نشهد تأثيرها الكبير في هندسة المجتمع وتوجهات الناس حتى أذواقهم ولباسهم ومشترياتهم وأصواتهم الانتخابية ومزاجهم العام. وصف الغرب في أواسط القرن الثامن عشر الصحافة بالسلطة الرابع لما رأوه من تأثير الصحف والإعلام على آراء الجمهور. ولربما الأجدر بنا في هذا الزمان أن نطلق على شبكات التواصل الاجتماعي مصطلح السلطة الناعمة، حيث بدأت تؤثر في حياتنا دون أن نشعر.

ربما لو اجتمع أفراد عائلة في غرفة وتوقفوا لحظة ونظروا حولهم لوجدوا أن جميعهم يحمل في يده هاتفه الذكي ويقلب صفحات الفيسبوك أو تويتر أو انستغرام أو واتس أب أو غيرها. فالكل منشغل يبحث عن الجديد، ما الذي يفعله الأصدقاء، آخر الأخبار، التفاعلات مع منشوراته، حتى عندما نخرج في رحلة أو إلى مطعم نبدأ بمشاركة صور المناظر السياحية والوجبات وغيرها. الفضول يجعلنا مدمنين على تفقد أجهزتنا الذكية كلما سنحت الفرصة بل إن معظم الناس أصبحوا متصلين بالإنترنت عبر خدمات الجيلين الثالث والرابع لشبكات الخليوي للوصول إلى تطبيقات التواصل الاجتماعي.
لكن ما الذي يجبرنا على نشر أخبارنا وصورنا وطعامنا ولباسنا وآرائنا السياسية أو الاجتماعية على شبكات التواصل بهذه البساطة؟ الكثير ربما يجد أن الطريقة الأسهل والأمثل للتواصل مع الأصدقاء هو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، كون التواصل عن طريق الكتابة والصور التعبيرية أسهل من التواصل البصري أو الصوتي. والبعض يبحث عن الشهرة فالكثير من المغمورين أصبح لهم صفحات على شبكات التواصل ووصل عدد متابعيهم إلى الملايين وجل ما يقومون به هو نشر أفكار وقيم غريبه أو مضيعه للوقت. والبعض يريد نشر فكره ومبادئه التي بدأت تنتشر بدون ضوابط وهناك الكثير ممن يستغل شبكات التواصل للتحريض ونشر الكراهية. هذا ينطبق على الحكومات والمؤسسات الإعلامية. فبعض الحكومات والأحزاب خلقت جيوش إلكترونية تقوم بتهيئة الرأي العام والتأثير به وهذه التقنية أصبحت تسمى الذباب الإلكتروني. أما الشركات التجارية فتبحث عن تسويق منتجاتها وازدهار تجارتها.

وهنا لا أتحدث عن مجمل المنتسبين لشبكات التواصل الاجتماعي فهناك الكثير من التجارب والأنشطة والمحتوى الغاية في الأهمية والفائدة. لكن أثبتت التجارب والدراسات أن الأخبار الملفقة أو المتجزأة هي الأكثر انتشاراً على شبكات التواصل الاجتماعي والسبب أن مؤلفي هذه الأخبار يتقنون فن انتقاء كلمات قليلة الاستخدام لغوياً أو مؤثرة تثير فضول المستخدم لقراءتها. لقد أعلنت فيسبوك مؤخراً عن نيتها في تعيين أخصائيين في مصداقية الأخبار للتقليل من أثر الأخبار الملفقة على المستخدمين (3). المنشورات التي تصلنا من صور وتفاعلات وأخبار حتى الإعلانات التجارية مبنية على موقعنا الجغرافي واللغة والعمر والجنس واهتماماتنا وقائمة أصدقائنا وتفاعلاتنا السابقة وغيرها. هذا النظام الذي يعرض لنا هذه المنشورات والتفاعلات يسمى نظام التوصية. على سبيل المثال حين نشاهد مقطع على يوتيوب فإن نظام التوصية في يوتيوب يبدأ باقتراح مقاطع فيديو ربما تكون في مجال اهتمامنا بناءً على معلومات متوفرة لنظام التوصية الخاص بيوتيوب. وهذا ينطبق على فيسبوك وتويتر وانستغرام وغيرها.     
نظام التوصية مكوّن من خوارزميات الذكاء الصناعي، حيث تعتمد هذه الخوارزميات على معلومات محفوظة في قاعدة بيانات خاصة بنا جمعت منا مباشرةً أو عبر موقعنا الجغرافي وتفاعلاتنا ومشاهداتنا ومشاركاتنا وقوائم الأصدقاء ومصادرنا الإخبارية وتقوم بعرض المواد التي تلبي أذواقنا وهدفها الحصري هو أن نقضي وقتاً أطول على هذه الشبكات. وبهذا تستغلنا هذه الشبكات تسويقياً. ولعل فضيحة كامبريج أناليتيكا وبريكزيت (1) خير دليل على كيف يتم بيع معلومات المستخدمين لطرف ثالث من أجل توجيههم لأهداف سياسية أو تجارية. منظومة التحكم بالمحتوى الذي يصل الناس يسمى بفقاعة الترشيح، بمعنى أن ما يصنا من محتوى عبر شبكة الإنترنت قامت شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها من المواقع الإلكترونية الأخرى بتوجيهه لنا اعتماداً على نظام التوصية سالف الذكر.  وبهذا يقع المستخدم في دائرة الأفكار المكررة ولا يقرأ أو يشاهد شيئاً لا يتناسب مع ذوقه أو ذوق الدائرة المحيطة به من أصدقاء. بل يستطيع المستخدم أن يحذف ما لا يتناسب مع أفكاره من منشورات ويمكنه حجبها أيضاً، وبهذا يدخل المستخدم في دائرة عزلة فكرية وتشرب أفكار من زاوية واحدة فقط. اهتم علماء النفس الاجتماعي في خمسينيات القرن الماضي بدراسة مصطلح “غسيل الدماغ” الذي يتلخص في السيطرة على العقول عن طريق عدة طرق منها على سبيل المثال التخدير النفسي، إجراءات التلقين، الاقناع الغامض، وغيرها. ألّف عالم النفس روبرت جاي ليفتون كتاب بعنوان “إعادة تشكيل الفكر وسيكولوجيا الشمولية” (2) وأحد أهم استنتاجاته تتلخص في “أن الشخص المغسول دماغياً يهاجَم بإحساسه لينتهي بتغيير أفكاره ومعتقداته”.

 أدخل الاتحاد الأوروبي تعديلات على قوانين حماية بيانات المستخدمين، ومن أهمها هو إخضاع أي شركة للمساءلة القانونية في حالة انتهاك خصوصية
رويترز  من منا لا يشعر بأن تصفحه لشبكات التواصل الاجتماعي يقوم بتغيير مزاجه والتلاعب بأحاسيسه؟ تتقارب كثيراً فكرة ترشيح محتوى محدد للمستخدم مع مبادئ أساليب الإقناع القسري التي تحدث عنها روبرت جاي ليفتون في كتاباته، فإجراءات التلقين وطرق الإقناع والتلاعب بالمشاعر عبر نشر محتوى معين من زاوية واحدة يؤدي بالضرورة إلى إعادة تشكيل فكر المستخدم وفرض سطوة اجتماعية عليه. فلو دخلت في نقاش مع أحدهم حول موضوع ربما يكون تافهاً كمباراة كرة قدم ترى تعصب غريب لكم تكن لتعهده قبل سنوات، لا يوجد لهذا التعصب أي مبرر نفسي سوى تأثر المستخدمين بما يشاهدونه على مواقع التواصل الاجتماعي ووصولهم لمرحلة التخدير النفسي الذي يؤدي إلى التطرف الفكري ورفض الآخر. 
هذا التلاعب الخفي في مشاعر الناس فرض هندسة اجتماعية جديدة بدأنا نرى أثرها في حياتنا اليومية، فأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي مرتعاً للأفكار الغريبة والأخبار الملفقة أو المجتزئة التي يقوم بنشرها خلايا سوداوية لها أهداف معينة تستغل الدين والمذهب وغيرها وأصبح الكثيرون حتى المثقفون منهم يتبادلون هذه الأخبار الملفقة والأفكار الغريبة دون كامل إدراك بما يفعلون. الخطر الأكبر يكمن في التأثير على النشء فهم الأكثر عرضة للتأثر بالأفكار الغريبة والمتطرفة بسبب قلة الخبرة خصوصاً في مرحلة النضج.

في 25 ماي من العام الحالي أدخل الاتحاد الأوروبي تعديلات على قوانين حماية بيانات المستخدمين، ومن أهمها هو إخضاع أي شركة خارج الاتحاد الأوروبي للمساءلة القانونية في حالة انتهاك خصوصية المستخدمين وفرض غرامات باهظة. لا تكمن الحلول في منع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي أو محاربتها، فشبكات التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً هاماً من حياتنا وليس مطلوباً على الإطلاق تركها والبحث عن حلول أخرى للتواصل. ولكن إدراك أهمية الخصوصية وتنويع مصادر المعلومات والتأكد من الأخبار المتناقلة أصبحت ضرورة فردية. وعلى الحكومات أيضاً لعب دور في محاربة التطرف والأفكار الغريبة عبر التعليم والتثقيف. الحكومات عليها أيضاً أن تضع قوانين تمنع شبكات التواصل وغيرها من المواقع الإلكترونية والتطبيقات من استغلال المعلومات عن المستخدمين واستخدامها لأغراض تجارية أو لأهداف فكرية. يجب أيضاً على مديري شبكات التواصل الاجتماعي إيجاد حلول فاعلة لمحاربة الذباب الإلكتروني من أجل الحفاظ على بيئة مجتمعية سليمة بعيدة عن السيطرة على العقول.


شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة