الرقائق الإلكترونية البيولوجية.. اختراع ذكي جديد ينهي عهد فئران التجارب - تفاصيل 24 | TAFASSIL 24

آخر الأخبار

إعلان

اعلان

الاثنين، 12 أغسطس 2019

الرقائق الإلكترونية البيولوجية.. اختراع ذكي جديد ينهي عهد فئران التجارب



يعمل باحثون على تطوير رقائق إلكترونية حيوية دقيقة، تحاكي فسيولوجيا الأعضاء البشرية الحية، لتكون بديلا عن التجارب الحيوانية، ومن شأن هذه الرقائق أن تضع حدا لمعاناة الحيوانات التي تتعرض لمعاملة قاسية مثل الإطعام القسري أو الحرمان من الطعام والماء، والتقييد لفترات زمنية طويلة، بالإضافة إلى تعريضها للحروق والجروح والعمل على إصابتها بالأمراض بهدف إجراء مختلف التجارب المعملية عليها، وقد أظهرت الإحصائيات الأخيرة ارتفاعا كبيرا في عدد التجارب الطبية التي تجرى على الحيوانات.
وعلى امتداد قرون من الزمن، اعتمدت جميع الاكتشافات الطبية الكبيرة تقريبا على تجارب أجريت على الحيوانات، ولكن بالتوازي مع ذلك كان العلماء يبحثون عن أساليب ووسائل بديلة عن الحيوانات والفئران المختبرية تساعدهم على الفهم العلمي للأنظمة الطبية الحيوية بشكل أفضل وتؤدي إلى اكتشاف أدوية وعلاجات مفيدة وآمنة على صحة البشر وتنقذ الحيوانات من الموت.
وتقوم مخابر الأبحاث وصناعات الأدوية بتجارب مكثفة ودقيقة في معامل كيميائية لابتكار أدوية ولقاحات، وتبلغ تكلفة الأبحاث التي تجرى على الحيوانات أحيانا الملايين من الدولارات قبل التوصل إلى التركيبة النهائية للأدوية، لكن جميع هذه المشكلات قد تصبح شيئا من الماضي في ظل الثورة التكنولوجية الحالية التي فرضت الكثير من الوسائل العلمية والأساليب العملية المتطورة، التي من غير المستبعد أن تحدث أيضا تغييرات جذرية في علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء وعلم الوارثة، كما من شأنها أن توفر نماذج لاختبارات أبحاث الخلايا البشرية العادية والخبيثة.

ومع التطوّر الطبي الكبير واستمرار ظهور الأمراض والفيروسات الجديدة، وضعت ضوابط لعمليات تصنيع الأدوية تتعلق بالأمان والفعالية، بهدف الحفاظ على صحة وسلامة الإنسان، وأخضعت التجارب لقواعد صارمة تتمثل في أن يثبت العقار نجاحه في التجارب الأنبوبية، ثم  تجارب برامج الكمبيوتر لمعرفة مدى تفاعل المواد المختلفة مع جسم الإنسان، وعادة لا تتمكن 99 بالمئة من العقاقير الجديدة من تجاوز هذه المراحل المهمة.
 وإن تمت تلك المراحل بنجاح تتقدم الشركة بطلب ترخيص لإجراء تجارب على الحيوان، وغالبا ما تمنع المضاعفات التي تصيب الحيوانات حوالي 80 بالمئة من العلاجات من تجربتها على البشر.
 ورغم تلك القواعد الصارمة المتبعة، لا تخلو بعض التجارب السريرية من الخطر، فعلى سبيل المثال شارك في عام 2006 ستة متطوعين في مستشفى نورثويك بارك في شمال غرب لندن لتجربة سريرية لعقار تي.جي.إن 1412 لصالح شركة تي جينيرو الألمانية، التي تسخر التقنية الحيوية في سعيها إلى التوصل إلى علاجات لأمراض مستعصية، وكانت  الشركة تأمل في أن يساهم هذا العقار الجديد في علاج أمراض مثل التهاب المفاصل وسرطان الدم، إلا أن التجربة انحرف مسارها، وأدى العقار إلى مضاعفات خطيرة جدا على المتطوعين ما استوجب نقلهم إلى العناية المركزة.
 ولحسن الحظ، نجا المتطوعون من موت محقق، ولكن تلك الحادثة صدمت المجتمع العلمي وأعادت تجارب الدواء على البشر من جديد إلى دائرة الضوء.
وفشلت هيئة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية في المملكة المتحدة في العثور على أي خلل، وخلصت إلى أن ردود الفعل الشديدة قد تكون نتيجة “حدوث نشاط بيولوجي غير متوقع للعقار في البشر”.
 وتؤكد هذه التجربة عدم وجود نماذج دقيقة تتنبأ باستجابات الجسم البشري للعقاقير، وإلى اليوم تفشل أكثر من 80 بالمئة من الأدوية الجديدة التي تختبر بنجاح في الحيوانات في تجاربها النهائية على البشر، لأنها تكشف عن آثار جانبية لم يتم اكتشافها من قبل، أو لكونها غير فعالة.

 ولكن ماذا لو تمّ توليد البيئة الطبيعية للأعضاء البشرية على شرائح إلكترونية بيولوجية تحاكي الوظائف كالرئة والقلب والكلية أو حتى الجسم بالكامل لاكتشاف الأدوية والتنبؤ بالسموم والآثار الجانبية؟
أدت الأبحاث الأخيرة والتقدم في الطب إلى تطوير ما يسمى بـ”الأعضاء على رقاقة”، كبديل للتجارب الحيوانية لاختبار آثار الأدوية، وهي شرائح ثلاثية الأبعاد مصغرة، مصنوعة من بوليمر عضوي شفاف مبطن بخلايا بشرية حية يمكنها محاكاة الميكانيكا والبيئة الدقيقة لأعضاء الجسم، باستخدام دورة دموية اصطناعية متمثلة في قنوات صغيرة مثل الأوعية الدموية تنقل محلول المغذيات أو الدم إلى الأعضاء عن طريق مضخة تحاكي وظيفة القلب، وذلك يسمح للأعضاء بالحفاظ على وظائفها الطبيعية بشكل مستمر لمدة أسابيع أو أشهر.
إنها ثورة في عالم البحوث والصناعة الدوائية، يقول عنها جيمس جي هيكمان كبير علماء شركة هيسبروس للتكنولوجيا الحيوية بفلوريدا “يمكن أن تسمح لنا هذه التكنولوجيا في المستقبل القريب بنقل التجارب الدوائية المزمنة من النماذج الحيوانية إلى هؤلاء الـ’بشر الجدد’ في نماذج مختبرية”.

ومن المتوقع أن يقود التركيز المتزايد لشركات الأدوية على تطوير بديل لنماذج اختبار الحيوانات غير الدقيقة والتي تثير جدلا أخلاقيا، وكذلك الحاجة الماسة إلى الكشف المبكر عن سمية الدواء وفعاليته وتقليل تكاليفه، إلى نمو هذه التكنولوجيا باطراد.
وبالفعل تم منذ عام 2010، تطوير العديد من النماذج للدماغ والرئة والعضلات والقلب والجلد والكلى والكبد والأمعاء والعظام، ولكن الهدف الرئيسي للعديد من المختبرات والشركات هو تطوير نظام متكامل لـ”إنسان على رقاقة” يجمع بين العديد من الأعضاء ويعكس الكائن البشري بأكمله للدراسات الدوائية والعلاجية.
 ويقول الدكتور أووي ماركس طبيب وعالم الأحياء البشري ومؤسس شركة التكنولوجيا البيولوجية في برلين “تيسوسي جي.أم.بي.إتش” إن الطبيعة زودت جسم الإنسان بالعديد من الأعضاء التي تعمل في انسجام تام، وأنه يجب ربط ما لا يقل عن عشرة من الأعضاء البشرية الأكثر أهمية على رقاقة بنجاح لمحاكاة الجسم البشري بأكمله.
ويضيف “إذا كان من الممكن تطوير مثل هذه النماذج والحث على الأمراض في هذه الأعضاء المصغرة على الرقائق، سيؤدي ذلك إلى إنشاء ما يسمى ‘مرضى الرقائق’، مما يسمح لنا بجمع نوع البيانات التي كنا نجمعها سابقا في التجارب السريرية باستخدام البشر”.
ويؤكد ماركس على أن “مرضى الرقائق” في المستقبل يمكنهم توليد بيانات ذات مغزى لغالبية أنماط المرض، واستبدال التجارب الحيوانية ذات الصلة، وتقليص دراسات المرحلة الأولى والثانية وتقليل معدلات فشل التجارب البشرية اللاحقة من 80 بالمئة إلى 10 بالمئة، ما من شأنه أن يخلق نقلة نوعية في تطوير الأدوية ويؤدي إلى حصول المرضى على الأدوية الفعالة والمبتكرة بشكل أسرع بكثير وبتكلفة أقل.
ويعتقد ماركس أن هذه التكنولوجيا ستصل إلى حدودها إذا تعلق الأمر بالأمراض التي لا يمكن ـبحكم تعريفهاـ أن تتكرر في نموذج عضو مصغر يفتقر إلى التعاطف والوعي، ويشمل ذلك الاضطرابات العقلية التي تسبب تغيرات في الوعي وترتبط ارتباطا وثيقا بالهيكل الدقيق لعقل الإنسان والذي يبلغ وزنه الإجمالي من 1.2 إلى 1.4 كيلوغرام.
ويقول ماركس إن شركته طورت رقائق متعددة الأغراض، منها شريحة اصطناعية بحجم بطاقة الائتمان، تربط فيها القنوات الصغيرة التي تشبه الأوعية الدموية البشرية أربع غرف صغيرة تمثل نماذج الأعضاء المصغرة ثلاثية الأبعاد، وهي الكبد والأمعاء والأنسجة العصبية والكلى.
ويمكن استخدام هذه النماذج من الرقائق تماما كما هو الحال مع مرضى حقيقيين، لمحاكاة أمراض مثل السكري أو السرطان واختبار الأنواع الجديدة من الأدوية والآثار الجانبية المترتبة عنها.
وفي اختراق علمي آخر فريد من نوعه، تمكن علماء في جامعة إمبريال كوليدج في لندن لأول مرة من اكتشاف كيفية تفاعل مسببات الأمراض مع الأعضاء البشرية الاصطناعية، ويأملون أن يساعد ذلك في فهم الأمراض وتطوير علاجات جديدة لها.
واستخدم الفريق كبدا اصطناعيا تم تطويره في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة أكسفورد وشركة التكنولوجيا الحيوية سي.أن.بيو أنوفيشنز، لاختبار استجابته لعدوى فيروس التهاب الكبد “بي”، وهو فيروس غير قابل للشفاء حاليا، ويصيب أكثر من 257 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، وكان تطوير العلاج له بطيئا لعدم وجود نظام نموذجي لاختبار العلاجات المحتملة.
وأظهر الفريق أن تكنولوجيا الـ”كبد على رقاقة” يمكن أن تصاب بفيروس “التهاب الكبد بي” على المستويات الفسيولوجية ولديها استجابات بيولوجية مماثلة للفيروس على كبد حقيقي، بما في ذلك تنشيط الخلايا المناعية وغيرها من علامات العدوى، وتم الكشف عن الوسائل المعقدة للفيروس للتهرب من الاستجابات المناعية، وهو اكتشاف يمكن استغلاله في المستقبل لتطوير العقاقير الفعالة لهذا المرض وخفض التكلفة والوقت المرتبط بالتجارب السريرية.
يقول الدكتور ماركوس دورنز بكلية إمبريال كوليدج ” بمجرد أن نبدأ في اختبار الفيروسات والبكتيريا على أعضاء اصطناعية أخرى، فإن الخطوات التالية يمكن أن تكون اختبار تفاعل الدواء مع مسببات الأمراض، داخل بيئة “الأعضاء على شريحة”.

وفي جامعة كاليفورنيا، يسعى مختبر ستيفن جورج الأستاذ في قسم الهندسة الطبية إلى تطوير نماذج داخل رقاقات لمرض سرطان الثدي الذي يعد السبب الرئيسي الثاني للوفاة بالسرطان.
ويهدف مختبر جورج لفهم السكون والتكرار لسرطان الثدي، واستخدام تقنية “العضو على رقاقة” لإنتاج عينات من الأورام، وإجراء تجارب العلاج الكيميائي، وتحديد الاستراتيجيات الأمثل لتطوير دواء شخصي لكل مريض.
ولحل لغز المرض في المدار، وفهم الآثار المادية والبيولوجية للسفر عبر الفضاء على البشر، والذي يعد جزءا مهما من خطة طويلة المدى لوكالة الفضاء الأميركية “ناسا” لإرسال أشخاص إلى ما بعد القمر وخاصة المريخ، تم مؤخرا إرسال رقائق تستخدم خلايا حية إلى محطة الفضاء الدولية لإجراء تجارب.
ويقول دان هوه الأستاذ في كلية الهندسة والعلوم التطبيقية والمساهم في تطوير هذه الشرائح “نشعر بسعادة غامرة بهذه الفرصة النادرة لاستكشاف إحدى المشكلات الصحية المحتملة في الفضاء باستخدام تقنيتنا القائمة على “العضو على رقاقة”.

 ومما لا شك فيه أن تكنولوجيا “الأعضاء على رقائق”، التي تمثل تقدما كبيرا في التكنولوجيا الطبية، تبشّر بمستقبل واعد لجميع أنواع البحوث من تشخيص المرض إلى علاجه، لكنها لا تزال حديثة العهد وغير ناضجة تقنيا في هذه المرحلة لتعويض فئران التجارب على الأقل في الوقت الحالي، ولكن من يدري لعلها تحقق سبقا طبيا مستقبلا؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اعلان